السيد نعمة الله الجزائري

38

عقود المرجان في تفسير القرآن

« وَكَذلِكَ » ؛ أي : مثل ذلك الفتن العظيم « فَتَنَّا » بعض الناس ببعض ؛ أي : ابتليناهم بهم . وذلك أنّ المشركين كانوا يقولون للمسلمين : « أَ هؤُلاءِ » الذين « مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا » ؛ أي : أنعم عليهم بالتوفيق لإصابة الحقّ ولما يسعدهم عنده من دوننا ونحن المقدّمون والرؤساء وهم العبيد والفقراء ، إنكارا لأن يكون أمثالهم على الحقّ وممنونا عليهم من بينهم بالخير . ونحوه : « لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ » . « 1 » ومعنى فتنّاهم ليقولوا ذلك : خذلناهم فافتتنوا ، حتّى كان افتتانهم سببا لهذا القول . لأنّه لا يقول مثل قولهم هذا إلّا مخذول مفتون . « أَ لَيْسَ اللَّهُ » . أي : اللّه أعلم بمن يقع منه الإيمان والشكر فيوفّقه للإيمان ومن يصمّم على كفره فيخذله ويمنعه التوفيق . « 2 » [ 54 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 54 ] وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 54 ) « الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ » . هم الذين يدعون ربّهم . وصفهم بالإيمان بالقرآن واتّباع الحجّة بعد ما وصفهم بالمواظبة على العبادة . وأمره بأن يبدأهم بالتسليم أو يبلّغ سلام اللّه إليهم ويبشّرهم بسعة رحمة اللّه وفضله بعد النهي عن طردهم ، إيذانا بأنّهم الجامعون لفضيلة العلم والعمل ومن كان كذلك كان ينبغي أن لا يطرد ويبشّر من اللّه بالسلامة في الدنيا والرحمة في الآخرة . « أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ » . بالكسر . استئناف لتفسير الرحمة . وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب بالفتح على البدل منها . « بِجَهالَةٍ » في موضع الحال . أي : من عمل ذنبا جاهلا بحقيقة ما يتبعه من المضارّ والمفاسد ، أو متلبّسا بفعل الجهالة . فإنّ ارتكاب ما يؤدّي إلى الضرر ، من أفعال أهل السفه والجهل . « مِنْ بَعْدِهِ » : بعد العمل أو السوء . « وَأَصْلَحَ » بالتدارك والعزم على أن لا تعود إليه . « فَأَنَّهُ » . فتحه من فتح الأوّل غير نافع على إضمار مبتدأ أو خبر . أي : أمره

--> ( 1 ) - الأحقاف ( 46 ) / 11 . ( 2 ) - الكشّاف 1 / 28 .